في مصر كل شيء يسير كما يُفترض له أن يسير! إلا في مجال الاقتصاد وبخاصة الديون، بالطبع. لدينا مشكلة قديمة قدم تأسيس الجمهورية، ولا بد أنها ستظل تتجدد إلى الأبد: الدين العام. يا له من دين ضخم جدا! هل تصدقون أننا وصلنا إلى مرحلة أن الحل الوحيد المتبقي هو مجرد "التعايش معه"؟ لا تقلقوا، فالحكومة لا تمل من محاولات التكيف، كما لو كانت في سباق مع الزمن للعثور على حل. "التعايش" هو المصطلح الجديد الذي يعكس حالة الاقتصاد المصري، تمامًا مثلما نقول "الحالة مستقرة" في المستشفى عن مريض يدخل غرفة الإنعاش
عندما نناقض موضوع الديون يظن البعض أن الأمر يتعلق بأرقام ومؤشرات، بينما الحقيقة أن هذه الأرقام مجرد رموز غير مفهومة في لعبة شطرنج معقدة. يقول ساويرس من فضلكم، لا تزعجونا بالحسابات الدقيقة، لأن لدينا الحلول السحرية لمشاكلنا الاقتصادية. نحن لسنا بحاجة إلى تفكير معمق، بل إلى المزيد من بيع الأراضي والشركات، وهو الحل السحري الذي يجب أن تستخدمه الحكومة كلما تعلق الأمر بأزمات الاقتصاد.
الدين العام: "أين العيب؟"
منذ عدة سنوات، كان هناك حديث طويل عن الديون الخارجية، وكيف أنها تُثقل كاهل الاقتصاد المصري. لكن في الواقع، يبدو أن الحكومة المصرية قررت أن تتعامل مع الديون الخارجية كما لو كانت عملاً خيرياً، يتجدد باستمرار. يبدو أن المسؤولين في مصر يعتقدون أن الدين الخارجي هو "اختبار تطوعي" يجب أن يجتازه الجميع.
ففي يناير 2025، بلغ الدين الخارجي لمصر 155 مليار دولار، وهو رقم يبدو ضئيلًا إذا ما قارنته بتراكمات ديوننا السابقة. ولكن، دعونا نتوقف لحظة: كيف تراجع الدين الخارجي؟ هل هذا بفضل التقشف أو الإجراءات الجريئة؟ لا، ببساطة كان الجواب السحري هو أن الحكومة قررت أن تبيع بعض الأراضي في الساحل الشمالي والبحر الأحمر. نعم، الحل البسيط: بيع الأرض! هل يعقل أن الحلول الاقتصادية تتلخص في "إطلاق بيع الأراضي" كحل لكل أزمة؟
المفارقة هنا أن هذا الحل لا يهدف إلا إلى تسكين الجروح، بينما يستمر المرض في التغذي على جسد الاقتصاد المصري. في النهاية، لن تجد الحكومة إلا أن تعود مجددًا إلى نفس الطريقة: بيع المزيد من الأصول لتسديد الديون، ثم نعود ونبيع المزيد. دورة لا نهاية لها من البيع، لكن للأسف الأصول التي تُباع ليس لها أي مردود حقيقي على الإنتاج المحلي.
الخصخصة: "سحر الأرقام الذي يضيع في الرياح"
لنكن صادقين، هذه ليست المرة الأولى التي نسمع فيها عن الخصخصة كحل لمشكلات الاقتصاد. فقد تم خصخصة العديد من الشركات في مصر في التسعينات، وها نحن اليوم نقوم بنفس اللعبة، لكن المشكلة الوحيدة أن الشركات التي تم خصخصتها منذ عقود، والتي كان من المفترض أن تحل مشكلة الدين العام، أصبحت في يد الأجانب! ورغم ذلك، لم يفلح بيع الشركات في حل أزمة الديون، فمصر ما زالت تتورط في نفس الدائرة المفرغة: نبيع أصولنا لكي نغطي ديوننا، ثم نعود للبيع لأننا استهلكنا الأصول دون إنتاج فعلي.
أما الحلول المقترحة اليوم، فهي ببساطة العودة إلى نفس النقطة: بيع أراضٍ جديدة في الساحل الشمالي، وتحقيق أرباح بمليارات الدولارات. والحديث هنا عن بيع الأراضي بالدولار للمصريين والأجانب، وهو ما سيجعل الجميع يرقصون فرحًا، ثم نجد أنفسنا نواجه نفس المشكلة بعد أشهر قليلة: ديون إضافية على رأسنا، ومزيد من "الخصخصة" على الطريق.
الهروب من المسؤولية
لكي نفهم كيفية التعامل مع هذا الفخ، يجب أن نعرف أن الديون في مصر لا تُعامل كما يجب. فهي ليست قضية يجب التعامل معها بحذر، بل أصبحت نوعًا من الحياة اليومية التي نضطر للتعامل معها بحذرٍ ولكن بطريقة غير فعالة. الحكومة تتحدث دائمًا عن "استدامة الدين"، و"أن الدين في الحدود الآمنة"! ولكن، ماذا تعني "الحدود الآمنة"؟ هل تعني أننا إذا اقترضنا أكثر من هذا الحد، فإننا سنصل إلى نقطة النهاية؟ لا، لأن الفكرة ببساطة هي أن الدولة لا تستطيع العيش بدون القروض، وكلما بدأنا في سداد جزء من الديون، نكتشف أنه أصبح علينا الاقتراض مرة أخرى.
في الواقع، الكارثة الكبرى تكمن في أن جزءًا كبيرًا من أموال القروض لا يُستثمر في مشروعات إنتاجية حقيقية، بل تُوجه إلى مشروعات ضخمة، مثل البنية الأساسية، التي لا تتعلق بمخططات تنموية حقيقية. هل يتذكر أحدنا المشاريع الكبرى التي أُقيمت مؤخراً؟ يبدو أنها مجرد مشاريع "تسويقية" على الورق، بينما من واقع الحال، ما زال الاقتصاد المصري يعتمد على الدين كأداة للبقاء على قيد الحياة.
العجز: الأرقام لا تكذب
وفي الوقت الذي نكذب فيه على أنفسنا بشأن العجز الكبير في الموازنة، نجد أن الأرقام تتحدث بلغة لا لبس فيها. العجز الكلي في الموازنة المصرية لعام 2024 بلغ نحو 1.31 تريليون جنيه، وفي 2025 سيصل إلى 1.49 تريليون جنيه! هل هذه الأرقام حقيقية أم أننا أمام لعبة جديدة من التهويل؟ في الواقع، هذه الأرقام تمثل جزءًا من القصة، لكن الأهم من ذلك هو كيف ستتعامل الحكومة مع هذا العجز؟ الإجابة واضحة: مزيد من الديون! مزيد من القروض المحلية والخارجية، وحتى المزيد من بيع الأصول.
إن الحلول الاقتصادية التي يتم طرحها من بعض المسؤولين، مثل بيع الأراضي أو خصخصة الشركات المتعثرة، ليست إلا بمثابة "مسكنات" مؤقتة. إذا لم نلتفت إلى حقيقة المشكلة، وهي أن مصر تحتاج إلى تغيير جذري في طريقة إدارة اقتصادها، فسيبقى الحال كما هو عليه. وكلما أطلقنا وعودًا بالتحسن، سنجد أنفسنا أمام نفس الأزمة التي كانت دائمًا في انتظارنا.
ما الحل إذن؟
لا، لن تأتي الحلول من بيع الأراضي ولا الخصخصة. الحل الحقيقي يكمن في مواجهة الاقتصاد المصري بالتحولات الهيكلية التي يتطلبها. إذا لم نعد إلى الإنتاج المحلي وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة، وإذا استمرينا في التعامل مع الديون كجزء من حياتنا اليومية، فإننا سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة.
لنعد إلى الحقيقة البسيطة: مصر تحتاج إلى استراتيجية حقيقية لتحرير اقتصادها من قبضة الديون، ولا يمكن أن تكون الحلول عبارة عن صفقات بيع مزيد من الأراضي أو خصخصة مزيد من الشركات.
إذا كانت هناك "مشكلة" حقيقية، فإنها ليست في الديون نفسها، بل في الطريقة التي يتم بها التعامل مع هذه الديون. الحل الوحيد يكمن في تغيير حقيقي يبدأ من قاعدة الاقتصاد، وليس من مجرد إعطاء الأمل في "بيع شيء آخر".
--------------------------------------
بقلم: صلاح عبدالجابر العربي